بعد أربعة عشر عاما من الثورة السورية التي دفع فيها الشعب دماءه وأحلامه في سبيل الخلاص من الاستبداد تحقق الحلم أخيرا بإسقاط نظام بشار الأسد.
غير أن الحدث لم يكن نهاية المعركة بل بداية فصل جديد من الصراع هذه المرة على شكل السلطة الجديدة ومشروعها السياسي.
تولت زمام الأمور جهة إسلامية بقيادة فخامة الرئيس أحمد الشرع رجل خرج من رحم الثورة قاتل في الميدان واحتضنه الشعب في زمن غابت فيه الدولة بل أصبح رمزًا للثقة والثبات في عيون السواد الأعظم من السوريين.
ومع ذلك لم تمضِ أيام حتى علت أصوات – من الداخل والخارج – ترفض شرعيته لا لخلل في إنجازاته أو مساره بل بحجة أن العالم (لا يقبل بدولة يحكمها إسلاميون).
هذه الحجة الظاهرة ما هي إلا ستار يخفي خلفه صراع مصالح لا علاقة له لا بالديمقراطية ولا بحق الشعوب في تقرير مصيرها.
فالغرب الذي يتشدق بالحرية لا يبدو مستعدا لاحترام خيارات الشعوب إن لم تكن متوافقة مع أهوائه الجيوسياسية.
والداخل المنقسم على ذاته لم يستطع التحرر من أمراضه القديمة (الانقسام و التناحر وسوء الظن بالآخر).
الواقع أن الإسلاميين الذين استلموا الحكم لم يهبطوا من فراغ ولم تفرضهم قوى خارجية بل جاؤوا بعد سنوات من الجهاد والصبر والعمل المؤسسي وبعد أن حازوا ثقة الناس.
من المنطقي – بل من البديهي – أن يتصدروا المشهد فهم امتداد للثورة وليسوا طارئين عليها.
لكن المشكلة الحقيقية ليست في من يحكم بل في ذهنية الإقصاء التي تحكم كل طرف.
فكل من يتولى الحكم في سوريا – إسلاميا كان أم علمانيا – سيجد من يلعنه ويشكك في شرعيته ويدعو إلى تحييده.
إنها معضلة العقل السياسي السوري الممزق: لا أحد يقبل بالآخر ولا أحد يصبر على مشروع حتى يُرى أثره. إن استمرار هذا النهج سيقود سوريا إلى مزيد من التشرذم لأن الجدل حول هوية الحاكم أصبح أداة للهدم لا البناء.
لا مفر من الاعتراف بأن من اختاره الشعب وصبر معه ودفع معه الثمن هو الأحق بالقيادة.
وعلى الجميع – دوليًا ومحليًا – أن يعترفوا بأن الشرعية تُولد من الداخل لا تُمنح من الخارج.
وإلا فستبقى سوريا أرضا لكل الثورات بلا دولة وبلا مستقبل.