تكاد المنطقة برمتها تنفتح على حرب إقليمية واسعة، كانت وللأمس القريب، جميع الدول تتجنب مواجهاتها المباشرة، ومؤشراتها بدأت منذ شهر تشرين الأول العام الفائت ولم تزل مستمرة لليوم. فمنذ أحداث غزة وقتها وما يحدث اليوم في جنوب لبنان عنوانه الاوضح اشتداد الصراع الإقليمي على مكتسبات الأرض بين محوري السياسات التوسعية الإيرانية والإسرائيلية، وكل منهما صاحب مشروع توسعي في المنطقة على حساب شعوبها وحقها في تقرير مصيرها وسيادتها الوطنية المستقلة. فيما أن المؤشر الأقوى على تمدد هذا الصراع هو عدم حسم المسألة السورية وكارثة شعبه، واستحقاق الانتقال والتغيير السياسي لليوم الذي لم يتحقق بعد، ويفصح عن محاولات تقاسم النفوذ العسكري في سوريا. والسؤال الذي تكرر مراراً أمام المجتمع الدولي: ماذا يعني التغيير السياسي في سوريا؟ واجابتنا الواضحة كانت أن النظام السوري القائم هو أصل كارثة السوريين، ومفتاح استقدام كل مشاريع الدول الطامعة في سوريا وعدم استقرار المنطقة برمتها، ومحفز أساسي على مجمل صراعتها ورعايتها، مقابل بقائه في السلطة ولتذهب المنطقة برمتها للجحيم، الأمر الذي بات يهدد اليوم بحرب واسعة فيها.
اليوم، ومنذ ما يقرب من 400 يوم، ومظاهرات السويداء اليومية من ساحات الكرامة تطالب بالتغيير السياسي وتفعيل القرارات الدولية في هذا الشأن. وهذه ليست لافتات وشعارات وحسب، بل هو حق وطني أولاً ووعي سياسي في معادلات المنطقة إقليميا وتجنب المزيد من معتركاتها العنفية ثانياً، وليس فقط، بل لإن التغيير السياسي وانهاء سلطة النظام السوري من سوريا والمنطقة تعني تحقق جملة من الأهداف والمصالح العامة لسوريا وجميع دول المنطقة وتتجلى في:
- إيقاف الكارثة السورية والانتصار لمبادئ حقوق الانسان العالمية ولمبادئ الأمم المتحدة في استحقاق حق تقرير مصير الشعوب.
- إنهاء فصل من أبشع جرائم التاريخ المرتكبة بحق شعب، استقدمت سلطته ونظامه شتى أنواع الغزاة لقتله وتهجيره وقمع ثورته الحق. وتحقيق الانتقال السياسي يعني رحيل هذا النظام واجرامه.
- تحقيق السلام والاستقرار لجميع السوريين من كل الأطياف والفئات في الداخل، وتهيئة البيئة الآمنة لعودة المهجرين واللاجئين السوريين بشكل آمن لديارهم ووطنهم والبدء في إعادة الاعمار.
- استعادة السوريين لقرارهم الذاتي وسيادته الوطنية الذي سيؤسس للاستقرار واحلال السلام بعموم منطقة الشرق الأوسط والدول العربية.
- إيقاف تمدد الميليشيات الإيرانية وحزب الله الطائفية والمصنفة على قوائم الإرهاب العالمي، العاملة على الهيمنة والسيطرة في الداخل السوري، والتي حولت سورية لأكبر موزع للكبتاغون في المنطقة والعالم، وتهدد بافتعال الحروب المتوالية في كل المنطقة والهيمنة على رقعة جغرافية واسعة والتحكم بقراراتها.
- الحد من العنف والنزاعات العسكرية الإقليمية الممكنة في سورية خاصة من جهة إيران، والتي تهدد أمن الخليج العربي والسلام بالشرق الأوسط برمته.
هذه القضايا منفردة ومجتمعة هي عنوان الحل السوري المعطل لليوم بفعل توازن مفاعيل القوة التي تحكم الأرض والصراع عليها. فإيران التي باتت تضحي بأذرعها الممتدة خارجها، تحاول البقاء على مكتسباتها الإقليمية والديموغرافية وتفاوض على ملفاتها النووية وعقوباتها الاقتصادية، والنظام السوري يتجنب أي مبادرة إقليمية حتى يسلم من تبعاتها. والامر الواضح لليوم، أن الحرب لن تقف عند حد سواء كانت واسعة أو جزئية بنقاط محددة الأهداف، لكنها جميعها تشير إلى تغير قادم في وجه المنطقة برمتها. وما يعنينا في هذا الشأن هو الاعلاء من شأن ثوابتنا الوطنية في الحل والتغيير السياسي الذي يرجعنا لاستعادة قرارنا الوطني دون الانجرار مرة أخرى لمعادلات الحرب الإقليمية وهدر باقي ما لدينا فيها.
جميع هذه المتغيرات تجري والأمم المتحدة و”بيدروسون”، مندوبها المفوض بالشأن السوري، يكاد لا يلتفت للعمل الجاد على تحقيق وضع النقاط على الحروف في المعادلة السورية. فبدءاً من مبادرة الجامعة العربية المبكرة في أيار 2011، وجنيف 1/2012 وصولاً لقرار مجلس الامن 22545 الصادر عام 2015، والحدث السوري هو الأبرز عالمياً في طرق انتاج حلوله المقترحة والمعطلة بآن. فقد عمل السيد دي مستورا، المفوض الأممي السابق، على تغيير مبادئ الحل السوري وفقاً لمخرجات 2254 بأن وضع سلة محاربة الإرهاب وسلة عمل اللجنة الدستورية قبل البدء في المرحلة الانتقالية، الامر الذي عطل مفاعيل القرار الأممي وغير ترتيب أولوياته، فيما ترك موضوع الميليشيات الأجنبية كلكمة فضفاضة لا تشير للميليشيات الإيرانية وحزب الله بشكل مباشر في سوريا، وها هي اليوم أصل المشكلة سورياً وإقليمياً كما هي إسرائيل بذات القدر! فرغم فيما أن خلفه، السيد غير بيدرسون، أصرّ على العمل في سياق اللجنة الدستورية وتجنب الخوض في ملفات الانتقال السياسي أو البحث بجدية عن إيجاد طرق ملزمة للسلطة والمعارضة السورية في تفعيلها. ومجمل احاطاته لمجلس الأمن حول سوريا تقول أن الحل الشامل للصراع السوري مازال بعيد المنال، وإلى انعدام الثقة وتباعد المواقف، وقلما يتطرق الى متغيرات وقائع الأرض من مظاهرات السويداء المتتالية والواسعة وتجاوب العديد من المدن السورية معها. تلك التي تؤكد على الحل السوري وفقاً لقرارات مجلس الأمن، وأولى خطواتها الانتقال السياسي. والغريب في الامر أن السيد بيدرسون يصر على مغالطته في طريقة الحل السوري، ولا يريد أن يضع اصبعه على الوجع، ولا يريد القول صراحة أن الدخول بمرحلة انتقالية وتغيير سياسي هو بداية الحل السوري العام ونزع فتائل العنف وامتداداته المستمرة لليوم، وأن النظام السوري أصل مشكلتها وحدثها والمعطل لها فعلياً.
اليوم، قد تتوسع معادلات الحرب الإقليمية وقد تذهب للتفاوض السياسي على شروط الوجود على الأرض قبلها، خاصة بعد الحرب السيبرانية التي شُنت على ميليشيات حزب الله في الجنوب اللبناني والتي تفقده القدرة على الاتصال والتنسيق وتشل قدراته التقنية أو أثناءها! لكن تبقى المسألة السورية هي محور وعنوان المرحلة الحالية اقليمياً. فهل ستفرض شروط الحرب اليوم مقدمات جديدة للحل السوري بطريقة مختلفة عن سياقاتها السابقة؟ أم يمكن استعادة مفاعيل الحل الجذري بالتغيير السياسي السلمي؟
لم يزل السوريون يثقون بعدالة قضيتهم واستحقاق حلها السلمي والسياسي، وما فتئوا يثقون بالقرارات الأممية ومواثيقها الدولية والإنسانية ذات الصلة. ويحذونا الامل بتحقيق الأمان والسلام في سورية ودول المنطقة برمتها والعالم. فإن كان الحل السياسي عنوان سوري عام، فالخروج من معادلات العنف الإقليمية واستقطاباتها شرط لازم لتفعيله، لكن كفايته بيد الأمم المتحدة ومبعوثها الدولي. وهذا ما كررناه وحذرنا منه منذ سنوات ولم يستمعوا إليه، فهل ستسمعهم طبول الحرب اليوم؟
مقال هام يضع النقاط على الحروف بعد أن أصبحت المنطقة على شفير هاوية تكاد أن تنفجر
شكرا جزيلا لك د جمال على جهودك